وزاد من عراقتها وجمالها : الوشاح الملكي


وزاد من عراقتها وجمالها : الوشاح الملكي



 

                                                           

للعُـلا تاريخ عريق ومُوغل في القدم لمن تتبع ذلك ، فلقد سكنها أقوام وقامت على مُحياها البهية حضارات متعاقبة ومتنوعة فكرياً وثقافياً واجتماعياً ولعل قوم ثمود الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم بقول الله تعالى ( وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين ) يأتون في مقدمتهم يليهم المعينيون ، فاللحيانيون ، فالديدانيون ، فالأنباط ، فقبيلة قضاعة ، فجذام ، فعذرة التي ينتسب إليها الشاعر العذري جميل بن معمر ، فقبائل أخرى عربية جاءت تباعاً انحدر منها سكان العُلا الحاليين ، والذين تميزوا بدماثة الأخلاق والطيبة والأخوة الصادقة والكرم والتعاون على البر والتقوى . أما بالنسبة لأهم المواقع الأثرية فيها فتأتي في طليعتها آثار مدائن صالح بمركز الحجر الواقع إلى الشمال منها بحوالي 20 كم ، وموقع الخريبة ومحلب الناقة شرقاً ، والمابيات جنوباً ، وقلعة موسى بن نصير داخل البلدة القديمة كما أنها شرُفت بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم وإقامته فيها لأربعة أيام والصلاة في مسجدها المُسمى بالعظام قبل توجهه لغزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة ومعه عدد من صحابته الأجلاء الكرام ، ومن بينهم عمرو بن سعيد بن العاصي بن أمية الذي نصبه صلى الله عليه وسلم والياً عليها أنذاك . أمّا اليوم فلا يكاد شخص يزور العُلا إلا ويصفها بأنها من المدن الأخاذة في بلادنا ممن اكتست بالخضرة والجمال، وتزينت أبنيتها المترامية الأطراف بمختلف التصاميم والفنون المعمارية الأصيلة ، وتحيط بها الشوارع الفسيحة من كل جانب، وتتخللها الأشجار المورقة التي تسرُ الخاطر عوضًا عن الناظر، ولا غرابة في ذلك بالنظر لخصوبة تربتها، ووفرة مياهها العذبة ، والتي جعلت منها منطقة زراعية تعج بأشجار النخيل والحمضيات والخضروات ذات الأشكال والألوان والذوق المميز ، فضلا عن تنوع مناشطها المهنية وتوفر مختلف الخدمات التي تهم المواطن والزائر والسائح . أمّا بالنسبة للتعليم فلا يكاد أحد من معاصريها إلاّ ويشهد بأقدميته فيها بدءً من الكتاتيب والتي تُعنى بكتاب الله العزيز حفظاً وتلاوةً وتجويد علاوةً على تعلم اللغة العربية والحساب ومن ثم التعليم النظامي حيث افتتح فيها أول مدرسة ابتدائية عام 1349هـ سميت بالسعودية ثم ما لبثت أن تحولت إلى مدرسة عبد الرحمن بن عوف أعقبها افتتاح أعداد متلاحقة من المدارس بمختلف مراحلها الدراسية بما فيها الجامعية للبنين والبنات ، وبنقلة نوعية يلمسها الجميع . تلكمُ هي العُلا والتي ما فتأت أن تحولت في العهد السعودي الزاهر من بلدة صغيرة وهادئة وذات أبنية قليلة وشوارع ضيّقة، وغير مسفلتة غالباً إلى مدينة تعج بالحركة والنشاط الدؤوب في كل مجالات الحياة ، وبدلا من طريق واحد يربطها بالمدينة المنورة جنوباً حتى أوائل الاربعمائة بعد الألف من الهجرة أصبحت الآن ترتبط بجميع مناطق المملكة عبر شبكة من الطرق المسفلتة والمتقنة من كافة جهاتها الأربعة ( تبوك شمالاً ، ومحافظة الوجه غرباً ، ومحافظة تيماء ومنطقة حائل شرقاً ) بالإضافة للطريق السريع الذي يجري تنفيذه حالياً ما بين تبوك والمدينة المنورة مروراً بالعُلا ، وكذلك مطار الأمير عبدالمجيد الذي يربطها جواً بمختلف مناطق المملكة والعالم الخارجي . نعم إنها العُلا التي غدت دوحة في عالم الطبيعة الخلابة ، وثغرة من ثغور هذا الوطن الشامخ ، ومتحفًا ثريًّا في عالم التاريخ والآثار والذي أهلّها وبجدارة لأن تصبح أحد قائمة التراث العالمي ( اليونسكو) وأهم وجهات العالم السياحية ، فما أجملها إذاً ، وهي تتربع بين الجبال الشاهقات ، وتحتضن النخيل الباسقات ، وهي تتلألأ برمالها الذهبية كلّما أشرقت عليها الشمس، أو تسلل إليها ضوء القمر في لياليه البهية ، وهي تتزين أيضاً بمعالم ومجسمات ومنجزات حضارية رائدة ، والتي نتوقع منها المزيد والتنامي في ظل ما تبذله الهيئة الملكية التي أمر بإنشائها مؤخراً خادم الحرمين الشريفين ملكنا سلمان بن عبد العزيز يحفظه الله من جهود عظيمة في سبيل ذلك . سائلين الله لبلادنا دوام الأمن والاستقرار ، ومزيداً من النماء والتطور ، والتقدم .  

                                                                                                                      عبد الفتاح بن أحمد الريس

                                                                                                              باحث تربوي ، وتاريخي ، وكاتب صحفي


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*