رأينا الـنجـوم عـلى الأرض!!   


     رأينا الـنجـوم عـلى الأرض!!   



 

                                      

قال قائل منهم لقد اندهشنا حقاً وانتابنا الذعر والخوف بعدما رأينا النجوم على الأرض كما هي في السماء في تلك الليلة الحالكة الظلام ، ولكن بعيد شروق الشمس بان لنا كل ما حولنا من معالم الأرض من بحر لجي أشبه ما يكون بالمرآة العاكسة لتلك النجوم ، وجبال منيفات تتخللها أودية كثيرة بها أشجار ذات خضرة وبهاء وجمال ، فضلا عن طيور مغردة ، وهوام متنوعة ليس لنا بداً من تحاشيها أو القضاء عليها ، ولكوننا قد قطعنا مسافة طويلة ، وغدت اجسامنا بحاجة ماسة إلى طعام يسد من رمقنا ويرفع من طاقتنا لأجل مواصلة سيرنا بحثاً عن مكان آمن ومريح ونعيش فيه بسلام كان لا بد لنا من الولوج للبحر الذي بين ظهرانينا لاصطياد ما يجود به من طعام حتى إذا ما فرغنا من هذا التزود واصلنا حينئذ سيرنا بكل همة وحيوية ونشاط بل وتمكنا أيضاً من تسلق تلكمُ الجبال التي اعترضتنا لنصل في نهاية المطاف للمكان الذي رغبناه . كل ذلك تم تحت سماء لا عماد لها ومظاهر كونية لا حصر لها ، وأرض متنوعة التضاريس على مد البصر ، فسبحان من أوجدها وكونها وأحسن صنعها ، ولعلنا عند هذا الحد نكتفي بما أوردناه من حيثيات هذه القصة بحسب رواتها لنقول للجميع بأن الحياة كيفما كانت لا تخلوا من عجائب وغرائب واسرار ونواميس كونية لا يعلمها إلا علام الغيوب جلّ في علاه وأن كل ما فيها مُسخر لخدمة الإنسان أينما حل أو ارتحل بعد أن كرمه على سائر خلقه كما بينه القرآن الكريم بقول الله تعالى ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) مؤكدين في الوقت نفسه بأن هذه الحياة بقدر ما فيها من متاعب وكدح ومصاعب ومنغصات بقدر ما فيها بالمقابل من يُسر وتساهيل ومسرات مصداقاً لقوله تعالى ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) والمُوفق من الناس من يُشمر عن سواعده ويثق في نفسه ويقوي من إرادته وعزيمته ويُعمل عقله على نحو من الحكمة والتدبر والتأمل والتفكير السليم المُغلف بالإيمان الصادق بالله عز وجل لمواجهة مثل هذه المتاعب وهذه المصاعب وغيرها من المثبطات والمنغصات أو تجاوزها نهائياً متى استطاع إلى ذلك سبيلا بدلا ً من التمحور حول الذات أو الانهزامية أو الاستكانة والخور والتبلد الفكري . علماً بأن ما قد يقع للإنسان من مثل هذه المصاعب والمعوقات وما يماثلها من مكدرات ربما تكون في بعض الأحيان دافعاً له لمزيد من الاجتهاد نحو الأفضل أو سبباً في البحث عن بدائل أخرى يكون نفعها وخيرها وأجرها عليه أكثر وأشمل وأعظم أو تكون سبباً في الحيلولة دون وقوعه في مكامن الشر أو الضرر أو المهلكات كما في قوله تعالى ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال شاعرنا العربي أبو القاسم الشابي ، وهو يجسد حال الإنسان في مُجريات الحياة :

                             ومن لم يعانـقـه شوق الـحـياة * تـبـخــر فـي جــوهـا وانـتـثـر

                             ومن يتهـيب صعـود الـجـبال * يـبـت أبد الـدهـر بين الـحـفـر

 

                                                 عبد الفتاح بن أحمد الريس


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*