ومن الـظـلم ما قـتـل !!


    ومن الـظـلم ما قـتـل !!



 

 

 

 

لم يدر في خلده بأنه سَيُحمله ُبعد عشرةِ طويلة تجاوزت كل البروتوكولات الرسمية للقيام بأعماله الخاصة أموالا طائلة ومن ثم يسافر إلى بلده ليدخله بعد أيام في غيبوبة على أثر جلطة دماغية ما لبثت أن أودت بحياته بُعيد تلقيه عدة خطابات رسمية من جهة معنية تطالبه بتسديد ما عليه من حقوق لأناس تقدموا بشكوى ضده . أما ذلك الموظف الخائن للأمانة والذي ولى دون رجعة ، فيعتقد بأن ما أقدم عليه يُعد شطارة أو شجاعة بعد أن تعرى من لباس التقوى والفضيلة وغاب عن ذهنه بأنه إن فـلت من عدالة الأرض فإنه لن يفلت من عدالة السماء ولو بعد حين . هذه الحادثة المؤلمة حقاً والتي وقعت قبل أسابيع في أحد الأماكن من بلادنا وغيرها كثير تدل دلالة قاطعة على أن البعض من أفراد مجتمعنا تغلب عليهم الطيبة الزائدة إلى حد السذاجة ، فيقعون حينئذ مصيدة لقليلي الذمة ومن في قلوبهم مرض وهو ما نبه إليه ديننا الإسلامي الحنيف بقول الله تعالى ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) فما حصل من هذا الموظف من سلوك مشين لا شك أنه ظلم صريح بحق كفيله ومشغله الذي فارق الحياة بسببه ، والذي لم يجد منه بحسب شهادة المقربين سوى التقدير والاحترام والمعزة والمعاملة الحسنة ( ربي جروك يأكل جنبك ) كما في المثل مع احترامنا للجميع ، فالظلم شين كما يُقال بالعامية ولفداحته وضرره الكبير على الذات وعلى الاخرين ، فقد ورد ذكره في أكثر سور القرآن الكريم لما يقارب من ثلاثمائة مرة ، ولأعداد كثيرة من الأحاديث النبوية. من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ) وقوله أيضاً ( من ظلم قيد شبر من الأرض طـوقه من سبع أرضين ) وله ثلاثة أنواع : ظلم الإنسان لنفسه كما في قوله تعالى ( ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ) وظلم الإنسان لغيره كما في قوله تعالى ( ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) وظلم بحق الله جلّ في علاه كما في قوله تعالى ( إن الشرك لظلم عظيم ) وبناء عليه لا جرم حينما حـقـرته ونبذته كل الشرائع السماوية . ذلك لأنه يعني لغوياً الجور والميل عن الحق أو وضع الشيء في غير موضعه وعكسه العدل كما في قوله تعالى ( قل أمر ربي بالقسط ) أي بالعدل ، وله صور وأشكال متعددة ، ومنها : أكل أموال الناس بالباطل ، وهتك الأعراض ، وقتل الأنفس البريئة ، وحرمان الزوجات المطلقات من رؤية أبنائهم وكذلك بعض الخريجين وقتما يتقدمون لوظائف معينة فتوصد من أمامهم الأبواب على الرغم من انطباق الشروط الوظيفية عليهم مقارنة بغيره ممن ظفروا بذلك . إما من ناتج قرابة أو واسطة ، وينسحب ذلك على المرضى حينما لا يجدون الاهتمام الكافي من لدن الأطباء المكلفون بعلاجهم وكذلك المراقبين للمحلات التجارية وقتما يغضون نظرهم عن المواد الغذائية المنتهية الصلاحية نتيجة لمعرفتهم الشخصية بأصحابها ، وهلم جرا . جاء في الحديث : إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، ومن يشارك الظالم ظلمه فقد برئت منه ذمة الله ورسوله ، ومن يقف على حال متظلم ولا ينصره بأي طريقة كانت فإنه يأثم على فعله . قال الشاعر :

لا تظلمن إذا ما كـنت مقـتـدراً  *   فالظلم ترجع عقباه إلى الندم

تنام عـيناك والمظلوم منتبه ً    *   يدعوا عليك وعين الله لم تنم

ولعلنا نختم مقالنا هذا بما قاله نبينا صلى الله عليه وسلم : من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو مال فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون هناك ديناراً ، ولا درهماً ، وعندما سأل صحابته : أتدرون من المفلس ؟ قالوا نعم يا رسول الله : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع . فرد عليهم قائلا : إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فـُيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فأن فـنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فـطـُرحت عليه ثم طـُرح في النار ، والعياذ بالله . جعلنا الله وإياكم هداة مهتدين ، وممن لا يَظلمون ولا يُـظلمون وبالله التوفيق .

عبد الفتاح بن أحمد الريس


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*