فزاعة حقل: تاريخ المكان ونبض الإنسان


فزاعة حقل: تاريخ المكان ونبض الإنسان



تبوك الحدث - بقلم / د.محمود الاشيهب :

زخرت المكتبة العربية في العقد الأخير بطوفان من الروايات، وكانت موجة ركبها كثيرون ممن ليسوا في العير ولا في النفير، وإنما رأوا الناس يكتبون ويقولون، فكتبوا وقالوا، وأكثرهم شبّان ظنّوا طريق النجاح سهلًا، ودرب الإبداع يسيرًا، وحسبوا أن فكرةً قريبةً، وحوارًا ساذجًا، وحبكةً مبتذلةً، كافيةٌ لصنع رواية ومجد أدبيّ، لذلك أصبح التمييز بين الأصيل والدخيل أمرًا في غاية الصعوبة، وأمسى أكثر مشقة على الكاتب الناشئ، والمبدع الصاعد، أن يشق طريقه وسط هذا الغثاء.
وفي نتاج هؤلاء المبدعين الصاعدين تلحظ أمرًا يكاد يكون مشتركًا عند كثيرين منهم، وهو البدء من حيث لا يُنتظر منهم، ولا يُراد بل ولا يُستساغ، (سعودي في أمريكا، سلفي في باريس، بدوي في لندن، عربي في ألمانيا، مبتعث في أستراليا) وهلم جرًّا وإن شئت شرًّا .. !
هل استبطنتَ تلك الحضارة –عزيزي الروائي- وخبرتها وعرفت أسرارها وقدرتَ على تصويرها فنّيًّا وحياكتها وصياغتها، لأعدل عن كتب القوم ونتاجهم الحقيقي وأقرأ ما سطرت عن حضارتهم وحياتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية و … أم هو انطباعك الأول واندهاشك البريء وطفولتك الأدبية؟
ألا تظن –يا صديقي الروائي- أن لديك كنزًا عظيمًا أنت أقدر الناس على الحديث عنه، وإبرازه فنّيًّا وتجليته إبداعيًّا، وهذا الكنز هو واقعك الحقيقي وحياتك وتفاصيل عيشك، وتراث وطنك وهموم مجتمعك، وأمراضه وعافيته، ونقائصه ومفاتنه، إن هذا الجانب هو نقطة قوتك، ومنبع قلمك الذي لا ينضب، ألا تشعر كيف يلهج دوستويفسكي بروسيا وتاريخها وحضارتها، ألا تلحظ رعشة السحر في قلم نجيب محفوظ وهو يبحر في حواري القاهرة؟ ألا تحس بالعشق ينبض في أحرف غارسيا ماركيز وهو يعيد كتابة تاريخ الكاريبي، ألا تلمس الشغف في حديث مستغانمي عن الجزائر ومدنها؟
فاجأتني رواية جميلة وذكية، حسنة السبك، رائقة الأسلوب، بديعة الفصول، محكمة الحبكة، مدهشة الخاتمة، نحتها كاتبها الفنان من مجتمعه الصغير، ونقشها من تفاصيل محيطة به، (فزّاعة حقل), اسم يحمل جناسًا موهمًا، تعمّده الكاتب، ليبدأ معك رحلة من الحيرة والجمال والوجع والآمال المتكسرة والأحلام الواعدة، وحين أكتب عن رواية كهذه أقع في حيرة بين وصفها وبيان مفاتنها، وخشيتي من إحراق مفاجأتها وإفساد متعتها على القارئ، وبين هذين طريق من ألغام أنا سائر فيه و … اللهم سلم.
تتميز الرواية بأنها تحكي قصة ثلاثة أجيال، تدور حياتهم حول لغز عميق تركه لهم جدهم في الحقل، وفي الحقل الحبوب، وفيه الغربان، ومن دون ذلك حرّاس … هم جزء من تلك التفاصيل، وهم جلادوها وضحاياها.
على هذا المحور ينسج (حميد العماوي) أحداث القصة ويديرها كقائد أوركسترا بارع، مستلهمًا تراب (حقل) وهواها وشذاها وتاريخها وأحاديث شيوخها وثرثرة عجائزها وأحلام فتيانها وتهاويم صباياها في خليط عجيب ومزيج مدهش يخاتل القارئ فيضطرب وهَله بين الحقيقة والخيال.
على أن هذه الرواية حملت في أعطافها بذورًا رسالية، لمسها الكاتب بقلمه باحتراف وتجرد فني، وكان يقع على مواطن الوجع وأماكن الشكوى بإلهام موفق، وتناول في أثناء ذلك ما عصف بالمنطقة من أحداث جسام، كاحتلال فلسطين وما تبعه من حروب، وعدوان صدام على الكويت، وانعكاس ذلك على إنسان المنطقة، ويعرج –أيضًا- على ظواهر الطبيعة التي مرت بالمكان، كالزلازل التي فاجأت السكان وأخافتهم، ومشكلات المدنية كمصنع الفوسفات وما يحمله من أوضار، وتسلل الحضارة برتابة وإلحاح ومظاهرها على الناس، والعلاقة بين بلدين متجاورين يتبع كل منهما لدولة مستقلة، وعلاقات المصاهرة وتلاقح التراث، ولا ينسى الكاتب أن يلتفت للقلب والحب، فينثره برفق وسحر بين طيات الأسطر، وبين حسرتين!
البحر حاضر بقوّة، وأعراف وتقاليد الصيد وآلاته، والنخل والزرع أيضًا له حضوره، أما الحاضر الأكبر فهو تلك السموم المهلكة، فهي معقد الحبكة، وسر انفراطها .. ولن أزيد، لئلا أدخل إلى تلك المنطقة المحظورة في ذوق القارئ .. فهو اللاعب والحكم، وفي الختام: هذه رواية تستحق، ولعل (حقل) اختارت حميدًا ليعيد كتابة تاريخها، وليقضي هذا الدَّين الكبير عن أولادها، هكذا يخيّل إليّ.
أتمنى لكم قراءة ممتعة لهذا السفر الحافل، والوطاب المليء.

د.محمود الاشيهب


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*