الوَجْه – رِحْلَةٌ إلى البَلَدِ القَدِيم


الوَجْه – رِحْلَةٌ إلى البَلَدِ القَدِيم



 

ليسَ مِن السهولةِ بمكانٍ أنْ يتحدَّثَ كاتبٌ – كائنًا مَن كان – عن مَدِينةِ الوجه؛ فهِيَ مدينةٌ تحْمِلُ بينَ جوانِحِها قلْباً ينبضُ بحضاراتٍ تَلِيدَةٍ، وتاريخٍ ذِي جُذُورٍ مُوغِلَةٍ في القِدَم.

ومِن هُنا فإنَّ لِسانَ الحالِ يتمثّلُ قولَ القائلِ: حسْبُكَ مِن القِلادةِ ما أحاطَ بالعُنُق؛ ذلك أنَّ هذهِ المقالةَ ليْسَتْ مَعْنِيَّةً بالتنقيبِ في غياهِبِ التاريخِ السحيقةِ، ولا بالانسياقِ وراءَ المراحلِ المُتَعَدِّدَةِ لحضارةِ الوجه عَبْرَ أزْمِنَتِها البعيدة، ولا بِرَصْدِ الوقائعِ والأحداثِ والشخصيات – بمقدار ما هِيَ مسكونةٌ بهاجِسِ ( البَلَدِ القديم )، ومعالِمِهِ التاريخيةِ والتراثيَّة، مُتَمَثِّلةً في المساجِدِ القديمةِ، والمدارسِ، والبُيُوتِ القَدِيمَةِ، وميناء الوجه، والقِلاعِ، والصهاريجِِ، والفَنَارِ، والمَنَاخَةِ، وسُوقِ الوجه القديمِ المُتَأَنِّقِ بِبَوَّابَتِهِ الفسِيحَةِ وسُورِه العظيم.

وكُلُّ هذِه المَعَالِِمِ – ما بَقِيَ مِنْها وما دَرَسَ – استحالتْ عُقودَ جُمانٍ لِتُؤَطِّرَ مدينةَ الوجهِ، وتآلفتْ مع بعْضِها بعْضًا لِتُشَكِّلَ أيْقُونةً تاريخيةً، وتُحْفةً حضاريّةً، وشامَةً في جَبِينِ الأصالَةِ والتُّراث.

قُلْتُ في نفسي: لا بُدَّ أنْ أذهبَ إلى هذِهِ البَلْدَةِ القديمةِ وأنظُرَ إلى هذا التاريخِ في عيْنِ المُتَأمِّلِ لا العابِر. وبِالفِعْل ذهبتُ فاسْتَقْبَلَتْنِي مساجِدُ يعودُ ميلادُها إلى مئاتِ السنين، تلك المساجد التي اشتعلتْ مآذِنُها ورَحَبَاتُها أذانًا وإقامةً وصلاةً وذِكْرًا وتسبيحا.
ثمَّةَ مسجِدانِ لا يزالانِ شامِخَينِ وتُقامُ فيهما الصلاة، وهُما: مسجدُ الأشرافِ ( ١٢٦١هـ ) الذي بادَرَ آلُهُ ليَزفُّوهُ – هذِه الأيامِ – بِحُلَّةٍ جديدةٍ تحْفَظُ لَهُ الأصالةَ والمُعاصَرةَ على حدٍّ سواء. ومسجد البديوي ( ١٢٩٥هـ ) الذي تُقامُ فيه الجُمُعَة حيث استحالَ جامِعًا.
وثمَّةَ مسجِدٌ هو مسجدُ الزاويةِ / السَّنُوسِيَّة، لا زلنا نراهُ رأْيَ العَيْنِ، ولكنَّهُ بقايا حُطامٍ، فلا تقامُ فيه صلاةٌ؛ إذْ مسّهُ الكِبَرُ، فَوَهَنَتْ جُدْرانُهُ، واهْتَرَأَ سقْفُهُ. فمَن لهذا الشيخِ الجليل ؟! مَن يُرَمِّمُ جَسَدَهُ ويَزْرعُ البسْمَةَ على ثَغْرِ مِئذَنَتِه ؟

وثمَّةَ مساجِدُ أخرى حاضِرةٌ في وجْدانِ الذاكِرةِ فقط، فلَمْ نَرَهَا بعْدَ أنْ باتتْ أثَرًا بعْدَ عَيْن. مثل مسجِدَي البُوقِ وأبو نبّوت.

ثُمَّ صافَحْتُ أطلالَ ( المدرسةِ الأميريَّةِ )( ١٣٣٣هـ ). تِلْكَ النَّجْمة التي وُلِدَتْ قبْلَ مِئَةٍ وخمسةِ أعوامٍ، وتَلألَأتْ في سماءِ الوَجْهِ لِيَشِعَّ مِنْ وَجْهِهَا الوَضَّاءِ نُورُ العِلْمِ والمَعْرِفَة. ولا زالتْ شامخةً بتوهُّجِها حتى الآن تحت مسمّى المدرسة السعودية.

ثُمَّ أكْملْتُ رِحْلَتِي التَأمُّليَّةِ ومرَرْتُ بِبَعْضِ المعالِمِ الأُخْرى، فعَلِمْتُ أنَّ مِياهَ الأمطارِ والسيولِ كانتْ تنامُ في باحاتِ (الصهاريجِ) فلا تُوقِظُها إلّا أفْواهُ الظِّماءِ والعابِرين. وعَلِمْتُ أنَّ ( للفَنَارِ )عَيْنَي زرقاءِ اليمامةِ ترْصدُ سُفُنَ الذاهِبِينَ والآيبِين.

ووقفتُ على أطْلالِ (السوقِ القديمِ والمناخةِ) اللذَينِ كانا يُمَثِّلانِ الُّروحَ الاقتصاديَّةَ، والذَّاكِرَةَ التجاريَّةَ، والجَسَدَ المُفْعَم بالحياةِ الاجتماعيَّة. يقْصِدُهُما النَّاسُ مِنْ بَدْوٍ وحاضِرَة؛ فتتجلَّى صُوَرُ البيْعِ والشِّراء، وصَيْدُ الأسْماك، وطُقُوسُ التبادلاتِ التجاريةِ في السِّلَعِ والبضائعِ والأنْعام. ناهِيكَ عن المَجالسِ الأدبيةِ، والكرنفالاتِ الشعبيَّةِ التي وَسَمَت الوَجْهَ بِمَيْسَمِ الثقافةِ والأدب.

ثُمَّ وقفْتُ – قبْلَ الرَّحِيلِ – أنْظُرُ إلى هذِهِ البَلْدَةِ الرَّاحِلِ أهْلُها، وأُحَدِّقُ في بُيُوتِها المُنْتَصِبَةِ كَأَعْلامٍ لَمْ تَمْحُها السِّنين. وشوارِعِها وأزِقَّتِها التي تُبادِلُها العِشْقَ والحَنِين.
بُيُوتٍ في رَسْمِها ووسْمِها تُجَسِّدُ انسجامًا جماعيًّا لافِتًا، وتُميطُ اللثامَ عن منظومة القِيَمِ الاجتماعيةِ التي انْمازَ بِهَا الناسُ آنذاك.
بُيُوتٍ تكْشِفُ عن لغةِ المحبةِِ والأُلْفَةِ والتواصلِ والتكافلِ الاجتماعي. بُيُوتٍ كغيْمَةٍ رَقْراقَةٍ تُطِلُّ على البَحْرِ مِن عَلٍ، فتُدَاعِبُها الشُطْآنُ، وتَعْزِفُ لها الأمواجُ سيمفونيةَ النقاءِ والبراءةِ والخُلُود.

ولعلِّي أختمُ هذِهِ المقالةَ المتواضعةَ بأبياتٍ من قصيدةٍ كتبْتُها في مدينة الوجه:

وإذا رأيْتَ البحْرَ يَرْفُلُ غَرْبَها،
فالجَفْنُ لا يقوى على الإطْراقِ !

تتمازجُ الأمواجُ في شُطآنِهَا،
مِثْلَ الشِّفَاهِ بِلَيْلَةِ العُشَّاقِ !

يا ( وجْهُ ) يا وجْهَ الشَّمالِ ونَبْضَهُ،
أهْوَاكِ حتّى آخِر الأرْمَاقِ !

‏https://youtu.be/m7GrobGK9rI

ملحوظة: ( ما كُتِبَ – أعلاه – يُعَدُّ مقطوعةً أدبيَّةً عن بَلْدَةِ الوجه القديمة، وليسَ وثيقةً تاريخيةً. فسبحانَ مَن أحاطَ بِكُلِّ شيءٍ عِلْما. والحمد لله رب العالمين ).

الكاتب / منصور العرادي
‏mansouralblwy@
#محافظة_الوجه


1 التعليقات

1 ping

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*