بـشـراكــم الــيــوم


بـشـراكــم الــيــوم



تبوك الحدث - بقلم / عبد الفتاح الريس :

في خضم الحياة التي نعيشها اليوم والتي لا تخلو البتة من المكدرات والمنغصات والصخب والضجيج عوضاً عن الملل والرتابة في أغلب الأحوال أمسى كثير من الناس على هذه البسيطة يعتقدون بأنه لا سبيل لهم من التخلص من هذا الواقع سوى السفر والتنقل من حين لآخر بين بلدان العالم على اتساع رقعته ، ولا نُخال عليكم فأحد المعارف ومن خلال هذا النظرة قام بالسفر إلى بلدان كثير على مدار ثلاثة عقود ، ولما أقعده المرض زاره أحد زملائه ذات مرة وسأله . ما الذي استفدته من تلك الاسفار والتنقلات بين البلدان ؟ فأجاب بقوله : لقد تعرفت على تلك البلدان وعلى ما وصلت إليه من رقي وتقدم غير أنني بالرغم من ذلك لم اجد الراحة التي كنت أتطلع إليها في تلك الأماكن سوى ما كان منها وقتياً. وتعقيباً على ذلك يجدر بنا أن نقول ومن على هذا المنبر بأن حياتنا الدنيا طالما هي دار ابتلاء واختبار وامتحان كما بينه القرآن الكريم بقول الله تعالى ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) فإن الإنسان فيها مهما بلغ من القوة والعظمة والجبروت ، وملك من الأموال والثروات ما لا حصر لها ، فإنه لن يحصل على الراحة المتناهية التي يتمناها أو يطمح إليها بتاتاً. ذلك لأن الإنسان في الأصل خُـلق في كـبد كما في قوله تعالى ( ولقد خلقنا الإنسان في كبد ) ناهيكم عن كون هذه الحياة متاع الغرور ، وأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة ، وقد شبهها نبينا عليه الصلاة والسلام بظل شجرة قائلاً : ما أنا في الدنيا إلا كراكب أستظل تحت شجرة ثم راح وتركها ، فهي بقدر ما فيها من فرح وبهجة وسرور بقدر ما فيها من متاعب ومشاق وآلام وأحزان وهي الأغلب بطبيعة الحال ، والفائز فيها هو من يصبر على اقدار الله القائل ( وإن تصبروا وتتقوا لهو خيراً لكم ) ، وفي نفس الوقت لا يجزع بما يقع له من هذه الاقدار لأن هذا يُعد اعتراضاً على أمر الله ، وأن ينظر من ناحية أخرى إلى أن ما يقع له من مكدرات ومصائب وأمراض على أنها . إما أن تكون تكفيراً لذنوبه وقد عجل الله له ذلك في الدنيا قبل الآخرة لحكمة يراها سبحانه وتعالى أو يكون ذلك بمثابة ابتلاءً ليقيس الله بذلك ايمانه .علماً بأن كل ما يقع للإنسان المؤمن يُعد خيراً له كما في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم : عجباً لأمر المؤمن أن كل أمره خير ، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تدعوا للصبر والاحتساب مقابل آيات أخرى تبشر المؤمن بأن له مغفرة وأجراً حسنا ، وجنات فيها نعيم مقيم متى ما كان كذلك ، ولعلنا نؤكد هنا أيضاً إلى أنه ومن دواعي النيل من السكينة والطمأنينة وانشراح الصدر ذكر الله وطاعته كما في قوله تعالى ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) بالإضافة لتأدية الصلاة والمداومة عليها كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم أرحنا بها يا بلال ، فيما قال الحسن البصري رحمه الله  حينما سُـل عن الراحة أين نجدها ؟ قال في سجدة بعد غفلة وتوبة بعد ذنب ناهيكم عن تأدية الأمانة والإخلاص في العمل والبعد عن الظلم ، وإعطاء الناس حقوقهم المشروعة . أما على مستوى الأمكنة فليس هناك في اعتقادنا الجازم للنيل من هذه الراحة الممكنة والشعور بالطمأنينة والسكينة من بيوت الله لا سيما البيت العتيق حينما يستشعر الإنسان المؤمن عظمة الخالق وتجلياته في هذا المكان الطاهر فضلا عن الروضة المشرفة بمسجد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، والتي قال عنها صلوات ربي وسلامه عليه بأنها روضة من رياض الجنة . جعلنا الله وإياكم ممن يبشرهم الله بقوله ( بشراكم اليوم ، جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم ) .

 

 

 

*باحث تربوي


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com