قراءة أولى في رواية دماء على الجدران


قراءة أولى في رواية دماء على الجدران



 


أصدرت دار آمنة للنشر والتوزيع في الأردن رواية (دماء على الجدران) لزميلنا الأكاديمي والناقد الدكتور/ عصام حسين أبو شندي، جاءت في حوالي 170 صفحة من القطع المتوسط وهي العمل الأدبيالأول للكاتب، الذي يقرض الشعر ويمارس النقد الأكاديمي المنهجي بنشاط كبير.

قامت الرواية على تقنية البناء الدائري والتي تنطلق من حدث أو موقف معين لتعود إليه، فالراوي ــ اليتميم ــ واسمه موسى جابر يقوم برحلة مدرسية حينما كان يدرس بالمدرسة الابتدائية إلى محمية الشومري الواقعة بالقرب من مدينة الأزرق وبعد قضاء يوم ممتع مع زميلاته وزملائه ومعلماته تقترح إحدى المعلمات زيارة أطلال سجن أبو زغريب المهجورالذي كان ينكل فيه بالسجناء وما أن نزلوا بالقرب منه حتى عثروا على عظم آدمي لتنفتح الرواية بعدها على الأحداث المأساوية التي شهدها هذا المكان.

كان العسكريون يعذبون السجناء والمعتقلون فيه بصورة لا تمت إلى الإنسانية بصلة يسحلون أجسادهم  ويغتصبوهم ويطلقون عليهم الرصاص ويهشمون عظامهم ويفعلون بهم الأفاعيل وفي خاتمة الأمر يقتلونهم أو يموتون جراء التعذيب.

ينتمي هذا السجن الافتراضي إلى عالم متوهم متخيل أطلق عليه المؤلف (الولايات العربية المتحدة)، التي تضم كل الدول العربية تقريباً بعواصمها الحالية، ويحكمها القائد الفذ الذي هو أنموذج للديكتاتور الذي يرهن مصير شعبه وأمته بوجوده، فهو الحاكم المطلق الذي يذل شعبه ويقمعه، تساعده بطانة فاسدة تمارس كل أشكال الفساد والقهر برعيته، ومن يطالب بحقوقه يكون مآله السجن الذي أودع فيه مجموعة من الضحايا من ولاية السودان والعراق وسورياومصر وتونس والجزائر وغيرها من الولايات العربية.

تقدم كل شخصية  حكايتها وتروي قصتها موضحة سبب نفيه لهذا العالم البائس، بينما تقوم شخصيات أخرى خارج دائرة السجن ـــ يمثلون الوجه الآخر للحياة الفاسدة لسدنة نظام الحكم بتشكيل الواقع الموازي ـــ بالاستمتاع بحياتهم وجني الأموال من الرشوة والصفقات المشبوهة واستغلال النفوذ والمنصب للاستنغاء، وسفك دماء الأبرياء وسحلهم وممارسة البغاء والرذيلة، والتسلط على حقوق الناس والتغول على أملاكهم وأموالهم، وتلفيق تهم الزور وإلصاقها بمن يعترض طريقهم أو الوقوف أمام نزواتهم وشهواتهم.

عالج الكاتب الكثير من القضايا الواقعية التي يمور بها المجتمع العربي من الخليج إلى المحيط في سياق عالمه الافتراضي ذاك، وقد وقف على الحقائق المرتبطة بالفساد والإفساد في الأرض من خلال الحاكم وبطانته وزبانيته، وعلى الرغم من شحنات الإيهام “والفنتازيا” المؤلمة التي ضجت بها صفحات الرواية إلا أنها كشفت عن الوجه الكالح للأنظمة الاستبدادية في الواقع العربي ـــــ اضطر المؤلف بسببها لأن يلجأ للتقرير والمباشرة وتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية مثل: “قنوات الأخبار، والمنظمات الدولية، ومواقع التواصل”.

لغة الرواية متماسكة وعالية ورصينة ومعبرة ودقيقة، عباراتها قادرة على الكشف عن الأفكار ومحمولاتها ، يكثر فيها التقرير إذ ركّز المؤلف على عملية القص ــــ فقد حكى كل بطل تقريباً من أبطال الرواية عن نفسه ـــــ مقللاً من الإسقاطات النفسية في الكشف عن صور التعذيب الفاجر الذي يمارس بحق السجناء، وكانت النتائج المباشرة له هو الموت والفناء ولا شيء غيره.

حملت هذه الرواية الكثير من مؤشرات النجاح بناءعلى ما انطوى عليها من قيم، رغم تأثرها الشديد بعوالم وفضاء رواية “شرق المتوسط” لعبد الرحمن منيف.

د. فيصل مالك أبكر

كلية التربية والآداب /جامعة تبوك


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*